عبد الوهاب الشعراني

144

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

الأكل حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد ، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي أكلت بقدر البلغة خوفا أن أكون أعنت على نفسي ولترد على الستة الأخرى فبهذا صح لي الحلال فقال الزبيري نحن لا نقدر على المداومة على هذا ولا نعرف أن نقسم عقولنا ومعرفتنا وقوتنا على سبعة أجزاء اعترفا بفضل سهل رضي اللّه عنه . وكان يقول يأتي على الناس زمان يذهب الحلال من أيدي أغنيائهم وتكون أموالهم من غير حلها فيسلط اللّه بعضهم على بعض يعني بالأذى والمرافعات عند الحكام فتذهب لذة عيشهم ويلزم قلوبهم خوف فقر الدنيا وخوف شماتة الأعداء ولا يجد لذة العيش إلا عبيدهم ومماليكهم وتكون ساداتهم في بلاء وشقاء وعناء وخوف من الظالمين ولا يستلذ بعيش يومئذ إلا منافق لا يبالي من أين أخذ ولا فيما أنفق ولا كيف أهلك نفسه وحينئذ تكون رتبة القراء رتبة الجهال وعيشهم عيش الفجار وموتهم موت أهل الحيرة والضلال . وكان رضي اللّه عنه يقول اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه السلام في ديار قوم عاد « 1 » فسلمت عليه فرد علي السلام فرأيت عليه جبة صوف فيها طراوة فقال لي إنها علي من أيام المسيح فتعجبت من ذلك فقال يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب إنما يخلقها رائحة الذنوب ومطاعم السحت فقلت له فكم لهذه الجبة عليك فقال لها على سبعمائة سنة « 2 » فقلت له هل اجتمعت بنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : نعم وآمنت به حين آمن به الجن الذين أوحى إليه في حقهم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ « 3 » قلت ومن هنا كان الخضر عليه السلام لا تبلى له ثياب لأنه لا يعصى اللّه تعالى ولا يأكل حراما « 4 » وكما لا يبلى لأكل الحلال ثياب فكذلك لا يبلى له جسم بعد موته كما وقع لبعض الأولياء وجدناه طريا كما وضعناه بعد سنين واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) فسر بعض الأولياء أن مثل هذه اللقاءات تكون بيقظة القلب لا بيقظة الحواس . وهو تفسير لطيف له وجاهته . ( 2 ) لا يعيش أحد إلى هذه السن في الأيام التي عاشها سهل ، هذا يؤكد ما قلناه في الهامش السابق أن مثل هذه اللقاءات بيقظة القلب لا بيقظة الحواس . ( 3 ) سورة الجن : الآية 1 . ( 4 ) سبق أن قلنا أن الخضر كان أيام سيدنا موسى ، ولا يوجد أي دليل على أنه عاش حتى العصور المتأخرة التي يؤرخ لها الإمام الشعراني ، كما أنه لا دليل على ما يقوله بعض المتصوفة من أن لكل عصر خضر . فلم يظهر بعد عصر موسى عليه السلام ولا في عصر المسيح ولا في عصر نبينا محمد عليهما الصلاة والسلام فكيف ظهر في العصور المتأخرة .